شيء من العدل
شكت امرأة تسمى سودة بنت عمارة الهمدانية إلى الإمام علي ابن أبي طالب
أحد ولاته الكبار وهو والي صدقاته على الأهواز وكانت تحت سلطته منطقة واسعة تقول سودة: "لقد جئت إلى علي ابن أبي طالب
في رجل ولاه صدقاتنا فجار علينا، فصادفته قائماً يصلي، فلما رآني انفتل من صلاته ثم أقبل علي برحمة ورفق ورأفة وتعطف وقال : ألك حاجة؟ قلت: نعم، فأخبرته الخبر، فبكى الإمام
ثم قال: اللهم أنت الشاهد علي وعليهم، وإني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك، ثم أخرج قطعة جلد كتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم (قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام، ثم دفع الرقعة إليَ، فو الله ما ختمها بطين ولا خزمها فجئت بالرقعة إلى صاحبه فانصرف عنا معزولاً.
في هذه الواقعة التاريخية الكثير من الدروس البليغة في السياسة والحكم والإدارة والتعاطي مع أمور الناس حتى ولو كانت بسيطة أو صغيرة فربما لم يكن ما فعله ذلك الوالي يستحق العزل من منصبه ولكن الإمام علي
كان ينظر من زاوية مختلفة وحساسة جداً حيث أن التهاون في الأمور الصغيرة والتي قد تبدوا عادية في نظر البعض هو ما يؤدي إلى الفساد والظلم، ومع أن الفارق كبير زمنياً وحتى فيما يرتبط بالإمكانيات المتوفرة بين عصرنا وذلك العصر حيث الوثائق والحقائق تظهر بوضوح كم يعاني الناس من إهمال وتقصير من قبل المسئولين ومن بيدهم القرار ومع ذلك ليس هناك استجابة لكلام الناس ومع أن " يحظون" بمجلس "نيابي" وآخر "شورى" وديوان رقابة ومنظمات شفافية وجمعيات سياسية وحقوقية وكلام طويل وعريض عن الديمقراطية والحقوق الإنسانية وإعلام يتحدث يومياً عن فضائح فيما يرتبط بالفقر ومشاكل الإسكان وسرقات الأراضي وما أشبه إلا انه يبدوا أن كل هذه الأمور لا تستدعي عزلاً ولا تغييراً ولا يبدوا أن في الأفق شيئاً من هذا القبيل.
إن صورة الدولة الحديثة ليست في بناء ناطحات السحاب ولا في المرافئ المالية ولا في الجزر السكنية الفارهة وإنما في الاهتمام بالإنسان مهما كان اسمه أو لونه أو موقعه أو حتى دينه وقد قالها الإمام علي
لواليه: "وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق" وهو ما نحن بحاجة إليه فما قيمة الكلام عن مرفأ مالي في بلد يقف أهله في طوابير إسكان تجاوزت الـ50 ألف "منتظر" وما قيمة الكلام عن جزر مائية سكنية في بلد تعاني فيه أكثر من 10 آلاف أسرة فقيرة من قلة الموارد ويعاني فيه أكثر الناس من تدني الأجور والرواتب ويشكون ذلك باستمرار إلا إذا كان المرفأ المالي والمساكن الفارهة لغير المواطنين فذاك شيء آخر أما إذا أردنا أن نتكلم عن دولة حديثة فينبغي أن نبني أول أساسيات هذه الدولة وأهم شيء فيها وهو الإنسان الذي يعتبر رأسمال حقيقي في كل تنمية ونهضة وحضارة ولذلك ينبغي أن نسخر الجهود والإمكانيات لكي نرتقي بواقعنا إلى وضع تتوفر فيه وسائل الحياة الحرة الكريمة للجميع من دون استثناء فيرى الناس أنفسهم أصحاب فرص متساوية أو متقاربة على الأقل في وطن أصبحت فيه الفوارق "فاحشة" بين طبقات ثرية متخمة بكل وسائل الرفاه من أراض وأموال لا حصر لها وبين طبقات فقيرة تبحث عن علاوة غلاء قد لا تعادل علاوة تمثيل لنائب برلماني أو معين أو وزير أو مسئول، وصدقت سودة بنت عمارة الهمدانية حينما تحدثت عن الإمام علي ابن أبي طالب
في بيتين جميلين من الشعر
صلى الإله على روح تضمنها قبر فأصبح فيه العدل مدفوناً
قد حالف الحق لا يبغي به بدلاً فصار بالحق والإيمان مقروناً
والله من وراء القصد.