طريق الإصلاح يبدأ من الاعتراف بالأخطاء
من المشاهد الطريفة و المبكية في نفس الوقت بقاء المدراء و المسئولين في المؤسسات والوزارات والدوائر في مناصبهم الإدارية لأعوام طويلة، حتى أصبحوا وكأنهم جزء مهم من تراث البلد و تاريخه. ولسنا هنا بصدد ذكر أسماء معينة و لكن من نظرة خاطفة نرى أن أكثر المؤسسات في البلد تعاني من البيروقراطية المميتة التي ليس بالإمكان القضاء عليها وربما حتى علاجها لأن الأمر وبكل بساطة يتعلق بأن الناس الذين خلقوها لا يزالون في مناصبهم وربما لفترات قياسية. إن بقاء الإداريين في مناصبهم دون تدوير و تداول المناصب الإدارية يعكس مواضيع عالقة ويدل على أحد أمرين إما نجاح هذه الدوائر بمسئوليها في الإنجاز غير العادي وهو ما لا يلاحظ نتيجة لوجود أزمات حقيقية تعكس الإخفاقات المتراكمة أو أن هناك من يرى من لا يراه الناس والمراقبون والمتابعون لشئون بلدنا وليس من المعقول أن يتم حل المشاكل والأزمات في بلادنا من دون منهج التداولية والتغيير من أجل الأفضل ومحاسبة المقصر والمخطئ مهما كان حجمه وموقعه ونفوذه. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أين دعوات الإصلاح و القضاء على الفساد الذي يتم الحديث عنه بصورة مستمرة سواء في الفترة السابقة ولا يزال الشعار الرئيسي في كثير من الأحيان؟.
إن قضية الإصلاح قد تبدأ بمشروع تتبناه جهة ما ولكن ذلك بحاجة إلى منهج عملي واضح تتبين معالمه على صعيد الواقع في أكثر من موقع وخاصة مواضع الخلل التي يعاني منها النظام السياسي والاقتصادي والمعيشي، ويبدأ الناس بتلمس النتائج في واقعهم اليومي من خلال معالجة همومهم وتلمس آمالهم وطموحاتهم وربما ما يراه الناس لحد الآن لا يعبر عن أي نتائج مرضية بل ربما على العكس من ذلك، حيث أن الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، و من سخرية القدر أننا نرى تصريحات "وهمية" و"تلميعية" فتسمع الناس "جعجعة" ولكنها لا ترى "طحنا". فنرى تصاريح مثل "لقد قضينا على الفقر" أو "حققت وزارة التربية تطورا نوعياً" أو "لا يوجد عاطلين في البحرين" أو "القضاء على مشكلة الإسكان" وما إلى ذلك من شعارات براقة جوفاء، و الملفت في الأمر أن المواطن يقرأ هذه التصريحات وهو يعلم أنها فقط كلمات في الهواء. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ" [الصف 2، 3].
كثيراً ما نرى تصريحات بالإنجازات و لكننا نادراً ما نرى مسئولاً يقدم اعتذاراً رسمياً عن خطأ أضر بالعشرات والمئات من الناس كما حصل في كثير من المحطات وقضية التجنيس والضرر التي ألحقه بسمعة البحرين سياسياً واجتماعياً، و هذه الطريقة ابتدعت ثقافة أصبح فيها أي شخص مسئول أو مديراً متميزاً بسلطة إلهية أو من الأنبياء المنزهين عن الخطأ. و لو قارنا هذا بما يحصل في الدول المتقدمة فسوف نرى الفارق الكبير بيننا وبينهم في الثقافة التي صنعت الفارق. ولكن هنا في هذا البلد المدير يبقى مدير والوزير في نفس المنصب حتى يموت أو يصبح غير مؤهل "فيزيولوجياً" لشغل المنصب. طبعاً من السذاجة أن يكون السبب في ذلك هو أننا نملك أفراد متميزين و يملكون عبقرية نوعية تتميز عن كل العالم لأننا لا نزال نعتبر من الدول النامية.
إن استحواذ أفراد معينين على منصب معين ما هو إلا جانب من جوانب الاستبداد، فغالباً ما يكون هذا الشخص دكتاتورياً وتظل إدارته السيئة تسيء للبلد لسنوات مفتوحة لا يعلمها إلا الله. و ترى الكفاءات المتميزة ضائعة و الخاسر الأكبر في هذا الموضوع هو الوطن و المواطن. فالدولة تظل متخلفة عن بقية العالم والمواطن يعيش في أغلال الإحباط واليأس والتذمر لأنه وببساطة ييأس من التغيير ببقاء المدير في نفس المنصب. بالإضافة إلى ذلك، نحن لا نرى محاسبة حقيقية للمفسدين في البلد والدليل على ذلك هو أننا و حتى الآن لا نملك قانوناً يجرم الفساد الذي يضر بالدولة حقيقة أو قانوناً يضمن محاسبة المسئولين إن أخطئوا. حتى في القضايا التي تذهب فيها الأرواح لا نرى محاسبة و هنا يتساءل المواطن من يكفل حقه و حياته. إذا ارتكب طبيب خطأ بسبب التعب والإرهاق في الولايات المتحدة الأمريكية فإنه يفقد القدرة على العمل كطبيب لفترة مؤقتة كإجراء ردعي. و إذا كان الخطأ إهمالاً فإنه يحرم من ممارسة مهنته في عدد معين من الولايات تقرره المحكمة. و لكن وزير الصحة في البحرين ينام قرير العين و هناك العديد من يتوفون بسب أخطاء طبية قاتلة. و هذا ليس فقط في وزارة الصحة بل هو موجود في معظم مؤسسات الدولة.
قد يكون الاعتراف بالخطأ صعب جداً و لاسيما عندما يتولد لدى الفرد شعور بأنه ملاك من السماء لا يخطأ و يصيب دائماً، ولكن الاعتراف بالخطأ مهم جداً في عملية الإصلاح في أي بلد، بالإضافة إلى تدوير المناصب و تغيير المدراء و المسئولين عندما يفشلون في تحقيق مشروعاتهم أو يخفقون في شغل مناصبهم بدلاً من نقلهم من إدارة إلى أخرى ليزيدوا من أرقام التجارب والإنجازات الفاشلة. إنه لمن المخجل أن نرى نفس الشخص في نفس المكان لفترة طويلة وهو يكرر نفس الأخطاء ويؤخر نمو الدولة واقتصادها ولا من أحد يردعه أو يمنعه فقط لأنه معين من قبل جهة معينة أو يسنده طرف ما. في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً خلال ثلاثين سنة يتغير حوالي سبعة رؤساء مختلفين وكل منهم يغير الوزراء و المؤسسات التابعة للدولة، ويتم محاسبة المخالفين والمستغلين للمناصب، وحتى في الشركات والجامعات والمؤسسات يكون هناك تدوير في الإدارة ليكون النجاح هو الهدف المنشود والمحقق، فمتى نحذو حذو الدول المتطورة و نتجاوز عقد الكراسي والإدارة الطويلة الأمد والمفتوحة للأبد؟.
والله من وراء القصد.